الجمعة، 22 يناير 2016

شيءٌ ما سيحدث - هاينريش بول، ترجمة: تاج الدين محمد


شيءٌ ما سيحدث
(قصة تضج باﻷحداث)


هاينريش بول

ترجمة عن الألمانية: تاج الدين محمد


أحد أغرب المراحل في حياتي، الفترة التي أمضيتها كموظفٍ في مصنع الفريد فونزيدل. فأنا بطبيعتي أحبذ الاستغراق في التأمل والخمول أكثر من القيام بعملٍ ما، ولكن من حين ﻵخر تجبرني مصاعبي المالية المستمرة على الانخراط في عملٍ ما. فالاستغراق في التأمل مثله مثل الخمول لا يأتيني بشيء. هأنذا أضع نفسي في ذات المأزق مجدداً؛ ففوضت أمري لوكالة التوظيف التي قامت بدورها بإرسالنا بمعية منكوبين آخرين إلى مقر مصنع فونزيدل بغية الخضوع لامتحان التوظيف. أصابني منظر المصنع من الوهلة اﻷولى بالارتياب. لقد كان مشيَّداً  بكامله من الزجاج، إذ أن نفوري من الغرف والمباني المضيئة أكثر من نفوري من العمل نفسه. ولقد أصبحت أكثر ارتياباً عندما قدموا لنا وجبة اﻹفطار في كافتريا المبنى المُضاء على نحو جميل حال حضورنا: لقد قدمت لنا النادلات الجميلات بيضاً، خبزاً محمصاً و قهوةً.. عصير البرتقال في دوارق فاخرة، أسماك الزينة تصطدم بوجوهها المغرورة بجدران اﻷحواض ذات اللون اﻷخضر الفاتح. النادلات كنَّ في غاية السعادة، بدا وكأنهن على وشك الانفجار من فرط السعادة الغامرة، ولكن قوة اﻹرادة حالت دون ذلك وهذا ما بدا لي. لذا اكتفين فقط بالهمهمة. لقد كنَّ محشوات بأغانٍ مكتومة كدجاجة لم تضع بيضتها.

لقد أدركت حالاً أن وجبة اﻹفطار كانت كذلك جزءاً من الامتحان وهذا ما لم يدركه رفقائي اﻵخرين كما يبدو. لذا كنت أمضغ الطعام بوقار بمحيا شخصٍ يعي تماماً أنه يمدُّ جسمه بعناصر ذات قيمة. لقد قمت بأمر لن تستطيع قوة في اﻷرض أن تدفعني على قيام به في المعتاد: شربت عصير البرتقال على معدة خاوية وتركت القهوة والبيض كما هو وكذلك جزءاً كبيراً من الرغيف المحمص. ونهضت وبدأت أتحرك بداخل الكافتريا جيئة وذهاباً مترعاً بالنشاط. نتيجة لذلك  كنت أول من أُدخل إلى قاعة الامتحان، حيث وُضعت أوراق الامتحان على مناضد فاخرة؛ الجدران مطلاة بظلال خضراء حتى أنها تستدعي كلمة "مُبهج" لأفواه المولعين بالتصميم الداخلي. يبدو أن القاعة خالية لكنني كنت متأكداً من إنني مُراقب. فتصرفت كما يتصرف الشخص المفعم بالنشاط حينما يدرك أنه غير مراقب؛ سحبت القلم من جيبي بفارغ الصبر، نزعت عنه الغطاء، ومن ثم جلست في أقرب منضدة مني و قمت بسحب أوراق الأسئلة ناحيتي كما يسحب زبون نزق الفاتورة في مطعم ما.

السؤال اﻷولهل تعتبر أنه لمن الصواب أن يكون للإنسان ذراعان وساقان وعينان وأذنان فحسب؟

هنا كان الحصاد اﻷول لثمرة استغراقي في التأمل، وكتبت من غير أي تردد: "حتى أن أربعة أذرع وسيقان وآذانان لن تكون كافية لطاقتي المندفعة: الجسد البشري معدٌّ على نحوٍ بائس.

السؤال الثاني: كم من الهواتف يمكنك أن تديرها في نفس الوقت؟

هنا مجدداً كانت اﻹجابة في غاية السهولة على غرار عملية حسابية في غاية البساطة: "حينما تكون هناك سبع هواتف أحس بنفاد الصبر لذا ينبغي أن تكون هناك تسع هواتف لكي أشعر أنني أعمل بكامل قدرتي”.

السؤال: كيف تقضي أوقات فراغك؟

لم أعد أعرف عبارة  "أوقات فراغ"، لقد أزلتها منذ عيد ميلادي الخامس عشر من قاموسي التداولي. لأن في البدء كان الفعل.

حصلت على الوظيفة على الرغم من التسع هواتف، كنت أحسّ أنني لم أكن أعمل بكامل قدرتي، حيث كنتُ أصرخ في سماعة الهاتف: "هيا، قم بالعمل فوراً، أو أفعل شيئاً ما! لابد أن نؤدي عملاً ما! سيُنجز العمل، أَنْجز العمل، ينبغي علينا أن نؤدي عملاً ما." ولكن، كقاعدة، كنت استخدم صيغة اﻷمر  ﻷنني احسست أن صيغة اﻷمر تعد منسجمةً مع المكان.

لقد كانت استراحات الظهيرة أكثر اﻷوقات المثيرة للإهتمام، حيث كنا نلتهم أطعمةً مغذيةً في أجواءٍ صامتة ومبهجة. كان مصنع فونزيدل يضج بأناسٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍِ مهووسين بإخبارك قصة حياتهم كما يحلو للشخصيات المشهورة القيام بذلك. لقد كانوا يعتبرون أن قصة حياتهم أكثر أهمية بالنسبة لهم من حياتهم. يمكنك فقط أن تضغط على الزر فتنهال عليك المآثر.

لقد كانت اليد اليمنى للفونزيدل رجل يدعى بروشك، لقد صعد في السلم الوظيفي وهو يعيل سبعة أطفال وزوجة مشلولة عن طريق العمل في مناوبات ليلية عندما كان طالباً. والعمل بنجاح في أربع وكالات عمل بجانب اجتيازه الامتحانات بدرجة شرف في غضون سنتين. عندما سأله مرة الصحفي قائلاً: متى تخلدون إلى النوم يا سيد بروشك؟ أجابه: النوم جريمة.

أما سكرتيرة فونزيدل كانت تعيل زوجها المشلول و أطفالها اﻷربعة عن طريق العمل في الحياكة ودراستها علم النفس والتاريخ اﻷلماني، علاوة على قيامها بتربية كلاب صيدٍ وقد كانت مشهورة كمغنية في نادٍ ليلي معروفة بلقب مغوية الرجال رقم 7.

فونزيدل نفسه كان من النوع الذي يقرر القيام بنشاطٍ ما، فور استيقاظه من النوم: "لابد أن أقوم بنشاطٍ ما" يفكر بالقيام بنشاط ما حينما يربط رباط رداء الحمام وحينما يحلق لحيته يلقي بنظرة نصر على شعيرات لحيته ورغوة الصابون وهي تُجرف بعيداً: بقايا هذه الشعيرات هي أولى ضحاياه اليومية بسبب طاقته الدافقة. هنالك الكثير من اﻷعمال الحميمة التي تبعث في أمثاله إحساساً بالرضى: صوت حفيف الماء، استعمال الورق؛ نشاط ما يُؤدَّى، خبزٌ يُلتهم، بيضٌ يُطرقع. أكثر الأمور تفاهةً تعتبر نشاطاً بالنسبة للسيد فونزيدل: الطريقة التي يعتمر بها قبعته ـ وهو يرتعش من الطاقة ـ يزرر معطفه، الطريقة التي يقبّل بها زوجته، كل شيء كان نشاطاً.

عندما وصل إلى مكتبه حيّا سكرتيرته صارخاً: "هيا ننجز عملاً ما!" أجابت السكرتيرة بصوت رنان: العمل سيُنجز. بعدها يعرج من قسم إلى آخر، ناشراً مرحه في اﻷرجاء: هيا ننجز عملاً ما! و الكل يقول: سيُنجز العمل. سأجيبه أنا كذلك باِبتسامة متألقة حينما يلقي بناظريه بإتجاه مكتبي قائلاً: العمل سيُنجز!. في غضون أسبوع عملت على زيادة عدد الهواتف في مكتبي إلى إثني عشرة هاتفاً وإلى ثلاثة  عشرة هاتفاً في اﻹسبوع الذي يليه، وفي كل صباح عندما أكون في سيارة اﻷجرة إستمتع بصياغة جمل إصدار اﻷوامر و أطارد كلمات "قم بعمل ما" بالعديد من الصيغ و التراكيبليومين كاملين كنت أردد الجملة ذاتها مراراً ﻷنني أعتقد إنها رائعة: عمل ما لابدأن يكون منجزاً. في اليومين اﻵخرين: عمل كهذا ينبغي أن يكون منجزاً. و بذلك بدأ ينتابني إحساس أنني أعمل بطاقتي القصوى عندما يكون هناك عمل ما.

في صباح ثلاثاء لم أكن بالكاد استقرَّ في مكتبي دخل علي السيد فونديزل مندفعاً إلى مكتبي صارخاً: "هيا نقوم بعمل ما" لكنني لاحظت شيئاً عصياً على التفسير في وجهه، اﻷمر الذي جعلني أتردد من الرد عليه بصوت مبتهج كما تمليه عليَّ القوانين: "سيُنجز العمل"، لابد أنني كنت صامتاً لوقت طويل، لذا رَفَع السيد فونزيدل نبرة صوته ـ و نادراً ما يفعل ذلك ـ "رُدّ، رُد، أنت تعرف القوانين!!!" فأجبته بدون حماس، كطفل أُكرِه على أن يقول: "أنا طفل نزق". لكن بمزيد من بذل الجهد تمكنت من نطق الجملة: "سيُنجز العمل". لقد كان عصياً عليَّ أن أتفوه بالجملة عندما يكون هناك عملاً حقيقياً. لقد هوى السيد أرضاً. حال سقوطه تدحرج بجانبه اﻷيمن، ملقياً بنفسه في منتصف المدخل. لقد علمتُ في حال أن السيد فونزيدل قد لقي حتفه، وأكدت ذلك عندما تحركت ببطء باتجاه المكتب  مقترباً من جسده الملقى على اﻷرض. تخطيت جسده هازاً رأسي. وخطوت ببطء على طول الرواق صوب مكتب بروشك ودخلت مكتبه دون أن أطرق الباب. كان السيد بروشك يجلس في مكتبه وكانت هناك سماعتي هاتف في كلتا يديه، وكان هناك قلماً بين أسنانه يدون به الملاحظات في مفكرته بينما كان يشغّل ماكينة خياطة تحت المنضدة. على هذا النحو كان بروشك يخيط ملابساً لأسرته.

"لقدحدث أمرٌ ما"! قلت بصوت منخفض.

بصق السيد بوشك القلم من بين أسنانه، ووضع سماعتي الهاتف لأسفل، من ثم سحب أصابع أقدامه من ماكينة الخياط على نحوٍ فاتر.

"أي أمر؟؟" قال متسائلاً...

لقد توفي السيد فونزيدل.

كلا... قال السيد بوشك.

أجل... تعال و الق نظرة!! قلت.

"كلا هذا مستحيل!!" قال بروشك وارتدى حذاءه و تبعني على طوال الرواق.

قال: "لا...” عندما كنا نقف بجانب جثمان فونزيدل. لم أناقضه في ذلك. و بعناية فائقة عدلت وضعية جسد فونزيدل وجعلته مضطجعاً على ظهره ومن ثم أغمضت عينيه وأخذت أحدق فيه مستغرقاً في التفكير.

فشعرت بشيء من الشفقة حياله، وأدركت أنني لم أمقته أبداً. لقد كان على وجهه كما لو كان طفلاً يرفض بعناد التنازل عن إيمانه ببابا نويل على الرغم من معقولية حجج أقرانه.

_"كلا... كلا!!"  ردد السيد بروشك.

"يجب أن نقوم بعمل ما"قلت ذلك بصوت خافض.

"أجل، لابد من القيام بعمل ما" قال بروشك مجيباً.

انجُز العمل: دُفن جسد السيد فونزيدل وتم تفويضي بحمل إكليلٍ من الورد الاصطناعي بجانب نعشه، ﻷنني لا أميل للاستغراق في التفكير والخمول فحسب، بل أن لي وجهاً وبنيةً يتناسبان على نحو مفرط مع البدلات السوداء. على ما يبدو أنني كنت رائعاً. حيث حصلت على عرض من شركة متخصصة في تجهيز الجنائز للالتحاق بطاقمهم كجنائزي محترف. "أنت وُلدت لتكون جنائزياً" قال مدير الشركة: ستتكفل بمنحك الزي لذلك.. وجهك رائع بكل بساطة".

وضعت مذكرة استقالتي للسيد بروشك، شارحاً: أنني لم أحس أبداً أنني كنت أعمل بكامل مقدراتي هنا. على الرغم من الثلاثة عشر هاتفاً، بعض من مواهبي كانت تضيع هدراً. حالما ما فرغت من أول ظهور لي كجنائزي محترف أدركت أنني أنتمي لهذا المكان، لقد خُلقت من أجل هذا: الوقوف مستغرقاً في التفكير بجانب النعش في مصلى الجنازة حاملاً باقة ورد متواضعة بينما تُعزف مقطوعة هاندل لارقو. المقطوعة التي لا تجد تقريباً حقها من الاحترام الذي تستحق. لقد كنت أتردد على مقهى المقابر بانتظام حيث كنت أقضي معظم اﻷوقات مع زملائي المحترفين اﻵخرين، وفي بعض اﻷحايين كنت أمشي خلف نعوش لم أكن ملزماً بالمشي خلفها، أدفع ثمن الورد من جيبي، و أمشي مع موظفي الرعاية الاجتماعية خلف نعش أحد المشردين. من وقت لآخر كنت أزور قبر السيد فونزيدل ﻷنني أدين له بكل هذا قبل كل شيء. بسببه اكتشفت مهنتي، إذ أن الاستغراق في التفكير ضروري و الخمول صار واجبي. لم يأخذ مني الكثير حتى أدركت أنني لم أزعج نفسي أبداً ﻷعرف ما الذي كان ينتجه مصنع السيد فونزيدل. أظن أنهم كانوا يصنعون الصابون.


الجمعة، 4 سبتمبر 2015

قصيدتان لفولغانغ بورشيرت


ترجمة: تاج الدين محمد






مَطرٌ


كَسيدة مُسنةٍ يَتسكعُ المَطرُ

 ِبحزنٍ وصمتٍ فِي أَرجاءِ البَلدةِ.

بشعرٍ مبللٍ وسترة ٍرماديةٍ

تَلوحُ بيديها حينًا.


وتطرقُ النوافذَ بيأسٍ،

حَيثُ السَّتائرُ تنُاجِي بَعضهاْ سِرًا.

يَنبغيْ عَلىْ الصَّبيةِ أَنْ تَبقَىْ بِالبيتِ

فَياْ لهُ مِنْ يَومٍ مُترعٍ بِشهوةِ الحَياةِ!!


 تُطيحُ الرِّيحُ بالسَّيدةِ مِنْ شَعْرهاْ،

فَتستحيلُ دُموعهاْ إلى قَطراتٍ مُوحشةٍ
ِبجرأةٍ  تَمتطِي صَهوةً َتنورتَها
وترقصَ عَلىْ نَحوٍ شَبحيٍ كَساحرةٍ.


القُبلةُ

إنها تُمطرُ؛ لَكنهاْ لم تُدركْ ذلكَ

ﻷنْ صّدرهاْ لايزالُ مُختلجاً مِنْ فَرطِ السَّعادةِ

فَعندَ القُبلةِ غَاصَ العَالمُ فِيْ الحُلمِ.


أَما فِستانهاْ غدا مُبللًا ومُتموجًا بِالكاملِ.

مًشمرًا إِلى أَعليْ عَليْ نَحوٍ مُستفزٍ؛

كَأنماْ تَعرضُ سَاقيهاْ لِلناسِ قَاطبةً.

قِطعةُ الجَّليدِ التِي لَمْ تُستحيلْ إليْ اللاشيءِ،

قًدْ رأتْ مَالمْ َيرهُ أحدٌ مِنْ قَبلِ.


َلمْ ُيراودهاْ من قبل أِحساسٌ ِبمثلِ هَذاْ العُمقِ،

فَالدوابُ وَحدهاْ يُراودهْا مثلُ هَذاْ اللاجدوىْ.

أَصبحَ شَعرهاْ أَشعثًا كَأنهُ هَالةٌ مِنْ ضُوءٍِ

تُنسجُ المَصابيحُ نَفسهاْ بِداخلهِ.

الخميس، 30 يوليو 2015

زهرتا الجرانيوم الحزينتان؛ فولفغانغ بورشيرت


ترجمة: تاج الدين محمد










لقد كان الظلام يطوق المكان حينما تَعارفا، فقامت بدعوته إلى شقتها وعرضت عليه رؤية كل ما في الشقة . قماش المائدة، الملاءات وأدوات الطعام خاصتها. ولكن عندما جلسا متقابلين لأول مرة في ضوء النَّهار لمح أنفها، لقد بدت له كأنها مخاطة جراحيًا لم تكن على الإطلاق كالأنوف الأخري، أقرب إلي قطعة من فاكهة منه إلى أنف. يا للهول! ما بال فتحتي الأنف!! إنهما غير متماثلتين على الأطلاق. لايبدو عليهما أدني إنسجام... أحداها ضئيلة و بيضاوية الشكل و الأخري كأنها هاوية تتثاءب، دائرية وبشعة.
أمسك منديله ومسح به جبهته وشرع في التحدث قائلًا:
ــ "الجو حار هنا أليس كذلك؟" بدأ يحدق في أنفها مجددًا. أجل لابد إنه مخاط جراحيًا... إنه يبدو غير متواءم مع الوجه ... حتى أن لونه مختلف جدًا عن  باقي البشرة... أكثر حدةً. وليس هناك أي تماثل  بين فتحتي الأنف ... ربما يكون هذا تماثل  من نوع آخر كما في أعمال بيكاسو.

ـــ "هل تعتقدين أن بيكاسو كان على حق". إستهل الحديث مجدداً
ـــ من؟؟ بيكا... قالت متسائلة.
ـــ "لا شيء" ومن ثم بدون أي مقدمات سألها قائلًا: لابد إنك قد تعرضتي لحادث ما؟
ـــ لماذا؟؟  تسائلت.
ـــ حسناً إذن..
بسبب أنفك... أجل بسببه...
ــ كلا لم اتعرض لحادث لقد كان هكذا على الدوام... قالتها بمنتهى الأناءة والصبر.
كاد أن يقول "ياللهول" لكنه أكتفى بقول: حقًا؟
ــ" وبذلك أكون إنسانة متماثلة على نحو إستثنائي". قالت ذلك بصوتٍ مهموس.
كم أنا مولعة بالتماثل!  أنظر فقط إلى زهرتي الغرانيوم خاصتي على النافذة أحداهما على اليمين والأخرى على اليسار... متماثلتان تماماً. صدقني  من أعماقي أنا شخص مختلف مختلف تمامًا!
عندما وضعت كفيها على ركبتيه أحس أن عينيها المريعتين و رأسها متوهجة.
أنا أيضًا مع فكرة الزواج مع مشاركة الحياة مع شخص آخر: قالت بهدوء و إستحياء
ولما! بسبب التماث!!
كلا بسبب التواءم... قالت مصوبةً إياه على نحو مهذب.
أجل... بسبب التواءم بالتأكيد. ومن ثم وقف على رجليه..
"هل تريد أن تغادر؟" سالت.
أنا ... أجل.
قدمت معه إلى الباب لتودعه...
من أعماقي أنا شخصٌ مختلف... رددت ذلك مجدداً.
خُيل له أن أنفها شيء فرض نفسه عنوة  على وجهها.. قال بصوت مرتفع:
من الأعماق أنتٍ كزهرتي الجرانيوم، تودين أن تقولي متماثلة تماماً أليس كذلك؟؟
ومن ثم أخذ الدرج إلى أسفل دون أن يتجشم عناء الإلتفات إلى الخلف. لقد كانت تقف عند النافذة وتنظر إليه من الخلف. وقد لمحته وهو واقفٌ بالأسفل يمسح جبهته بمنديله مرة ومرتين وكرر ذلك مرة أخرى، لكنها لم تتمكن من رؤيته وهو يبتسم مع كل مسحة من منديله لأن عيناها كانتا مغروقتين بالدموع. و زهرتا الغرانيوم كانتا أيضاً حزينتين أو بالأحري كانت تفوح منهما رائحة الحزن.

الثلاثاء، 28 يوليو 2015

رادي؛ قصة قصيرة؛ فوفغانغ بورشيرت



ترجمة عن الألمانية: تاج الدين محمد
















لقد كان رادي مساء اليوم معي، أشقرًا كما هو دومًا كذلك. ضاحكًا بوجهه العريض الناعم وقد كانت عيناه كما عهدتها دومًا يعتريها الرهبة واللاطمأنية، وكذلك كانت هناك بعض الشعيرات الشقراء التى بدت تنمو على ذقنه. كل شيء كما هو تمامًا.
قلت: أنت ميت بالتأكيد!
ـــ أجل، ولكن أرجوك لا تضحك! قال مجيبًا.
ـــ وعلاما ينبغي علي أن أضحك؟
ـــ "لقد كنتم تضحكون على دائمًا، أنا أعرف ذلك جيداً، في طريقنا إلى المدرسة لقد كانت شكل قدماي مضحكة وحينما كنت اتحدث مع كل الفتيات حتى اللائي لا أعرفهن، لقد كنتم تضحكون من كل هذه الأشياء، و لأنني كنت قلقًا بعض الشيئ على الدوام، أعرف ذلك جيدًا."
ـــ "هل كنت ميتًا لمدة طويلة؟ سألته.
ـــ كلا، أطلاقاً... لم يتمكنوا من وضعي على الأرض كما ينبغي فسقطت في الشتاء، كل شيء كان متجمدًا، كل شيء كان صلبًا مثل الصخر.
ـــ "إذن سقطت في روسيا... أليس كذلك؟؟"
ـــ "نعم لقد كان ذلك الشتاء الأول... لا تضحك فحسب!!... إنه ليس بالأمر اللطيف أن تلقى حتفك في روسيا... كل شيء بدا غريبًا بالنسبة لي في روسيا، الأشجار غريبة وحزينة لقد كان معظمها من فصيلة الغار. حيث كنت أرقد كانت هناك شجرة غار صاخبة و حزينة. أما الحجارة فقد كانت تتأوه أحيانًا، لانها حجارة روسية فقد كانت تئن. و الغابات بدورها كانت تأن ليلًا، ﻷنها أشجار روسية على اﻷرجح. ويئن الجليد كذلك، لانه جليد روسي... أجل كل شيء بدا غريبًا... غريبًا جدًا."
لقد كان رادي يجلس على حافة سريري صامتًا. قلت له: "ربما تبدو لك اﻷشياء هكذا ﻷنه كان عليك أن تموت هناك.
نظر في وجهي قائلاً: هل تعتقد ذلك؟ كلا، أنت تعتقد ذلك.. كل شيء يبدو غريبًا على نحو مريع... كل شيء."
نظر إلى ركبتيه وقال: "كل شيء غريب حتي أنا أبدو غريبًا... حتى أنا !!"
أجل... أرجوك لا تضحك... أنت السبب في قدومي الليلة، أريد التحدث معك.
ــ معي؟
"نعم معك... أرجوك لا تضحك! معك على وجه الخصوص. أنت تعرفني جيدًا أليس كذلك؟"
ــــ "لقد كنت أعتقد ذلك على الدوام."
ــــ ليس مهمًا. إنت تعرفني جيداً... أعني أنت تعرف كيف تبدو هيئتي لا أعني من أكون!! تعرفني أليس كذلك؟؟
ــــ أجل، أشقر ذو وجه ممتلىء.
ــــ كلا قُلَّ وجه ناعم!! أنا أعرف إن وجهي ناعم.
ــــ أجل لديك وجهًا ناعمًا وعريضًا وقد كنا نضحك عليك بسبب ذلك على الدوام.
ــــ أجل، كيف كانت عيناي؟
ــــ لقد كانت تبدو غريبة و حزينة.
ــــ كلا لاينبغي عليك أن تكذب.. لقد كانت عيناي قلقة و غير مطمئنة ﻷنني لم أكن أدري إذاما كنتم ستصدقون كل ما كنت أخبركم به عن تلكم الفتيات حينها.
ــــ هل كان وجهي ناعماً على الدوام؟؟
ــــ كلا لم يكن كذلك ... لقد كانت لديك بعض الشعيرات الشقراء على ذقنك، لقد كنت تعتقد ليس بإمكان أي شخص رؤيتها ولكننا كنا نراها ونضحك... نضحك.
 كان رادي جالساً على حافة السرير فقام بفرك يداه على ركبتيه وقال: أجل... لقد كنت أبدو كذلك بالضبط، و من ثم نظر إلي فجاءة بعينيه القلقتين. أرجوك أسدِ لي معروفًا! لا تضحك!! تعال معي!
ــــ إلى روسيا؟!
ــــــ أسرع! فقط لبرهة من الوقت... ﻷنك تعرفني جيدًا.
أمسك بيدي وقد كانت يداه باردة جداً كالجليد مفككة و خفيفة.
 كنا نقف بين شجرتي غار وقد كان هناك شيئًا خفيفًا ملقى على اﻷرض.
ـــ"تعال هنا حيث أرقد أنا" قال رادي.
 رأيت جمجمة بشرية مثل التي أعرفها من أيام المدرسة وبجانبها قطعة من المعدن.
قال رادي: "هذه خوذتي الحديدية لقد أصبحت صدئة بالكامل ومليئة بالطحالب".
أشار رادي بأصبعه نحو الجمجمة و قال: رجاءً لا تضحك! هذا أنا... هل يمكنك أن تفهم ذلك؟! أنت تعرفني جيدًا... قُلَّ لنفسك!! هل يمكن أن أكون هذا؟! أنت تعرف! ألا تجد ذلك غريبًا بشكل مريع؟! هذا غير مألوف بالنسبة لي. لا يمكن ﻷي شخص أن يتعرف علي بعد اﻵن، لكن هذا أنا... يتوجب علي أن أقول ذلك ولكنني لا أفهم ذلك. الأمر يبدو غريبًا على نحو مريع. كل ما كنته من قبل ليس له أدني علاقة بما أنا عليه الآن... أرجوك لا تضحك!! ولكن اﻷمر كله يبدو غريباً بالنسبة لي... غامض... بعيد.
جلس رادي على اﻷرض المظلمة ونظر لنفسه بأسى.
ـــ هذا ليس له أدنى علاقة بما كان عليه من قبل. لاشيء.. لاشيء أطلاقًا.
بعدها رفع رادي شيئاً ما من اﻷرض المظلمة بأطراف أصابعه، رفع الشيء عاليًا و من ثم بدأ بشمه.
"غريب غريب جدًا" قال رادي هامسًا ومد لي حفنة التراب، لقد كانت مثل الجليد، مثل يده التي أمسكني بها. باردة جدًا، مفككة وخفيفة جداً.
"شُمها!!" قال رادي.
فقمت بإستشاقها بعمق و من ثم قلت : تربة.
ـــ و ماذا؟؟ قال رادي.
ــــ "حامضة قليلاً و مُرَّة بغض الشيء تربة مثالية"
ــــ لكنها غريبة غريبة جداً و مثيرة للإشمئزاز مع ذلك، أليس كذلك؟
إستنشقت التربة بعمق لقدكانت باردة، مفككة وخفيفة... حامضة قليلًا و مُرَّة بعض الشيء.
ــــ " رائحتها طيبة مثل التربة" قلت.
ــــ أليست غريبة و مثيرة للإشمئزاز؟؟" قال رادي متسائلًا وهو ينظر إلي بعينيه القلقتين: رائحتها مثيرة للإشمئزاز.
ــــ كلا، كل تربة تفوح منها نفس الرائحة"
ــــ كلها تفوح منها مثل هذه الرائحة!! قال رادي متسائلًا .
ـــــ "أجل، كلها"
أستنشق بعمق و حشر أنفه في يده المليئة بحفنة التراب بدا بشمها، ثم نظر بناحيتي:
أنت محق، إن رائحتها ربما تكون جيدة ولكن تبدو غريبة مع ذلك، عندما أفكر أنه أنا الذي يرقد هناك."
جلس رادي على اﻷرض بدا بشم التراب وقد نسي وجودي معه وأستمر في شم التراب ولكنه بدأ بإستخدام كلمة "غريب" على نحو أقل.
عندما عدت إلى البيت على أمشاطي
كانت عقارب الساعة تشير إلي الخامسة و النصف صباحًا. لقد بدت التربة واضحة من خلال الجليد لقد كانت باردة مفككة و خفيفة ذات رائحة فوَّاحة. فتوقفت و أخذت نفساً عميقاً: إن رائحتها طيبة يا رادي... قلت هامسًا، إن رائحتها طيبة حقاً... تربة مثالية... يمكنك أن ترقد بسلام.