الجمعة، 22 يناير، 2016

شيءٌ ما سيحدث - هاينريش بول، ترجمة: تاج الدين محمد


شيءٌ ما سيحدث
(قصة تضج باﻷحداث)


هاينريش بول

ترجمة عن الألمانية: تاج الدين محمد


أحد أغرب المراحل في حياتي، الفترة التي أمضيتها كموظفٍ في مصنع الفريد فونزيدل. فأنا بطبيعتي أحبذ الاستغراق في التأمل والخمول أكثر من القيام بعملٍ ما، ولكن من حين ﻵخر تجبرني مصاعبي المالية المستمرة على الانخراط في عملٍ ما. فالاستغراق في التأمل مثله مثل الخمول لا يأتيني بشيء. هأنذا أضع نفسي في ذات المأزق مجدداً؛ ففوضت أمري لوكالة التوظيف التي قامت بدورها بإرسالنا بمعية منكوبين آخرين إلى مقر مصنع فونزيدل بغية الخضوع لامتحان التوظيف. أصابني منظر المصنع من الوهلة اﻷولى بالارتياب. لقد كان مشيَّداً  بكامله من الزجاج، إذ أن نفوري من الغرف والمباني المضيئة أكثر من نفوري من العمل نفسه. ولقد أصبحت أكثر ارتياباً عندما قدموا لنا وجبة اﻹفطار في كافتريا المبنى المُضاء على نحو جميل حال حضورنا: لقد قدمت لنا النادلات الجميلات بيضاً، خبزاً محمصاً و قهوةً.. عصير البرتقال في دوارق فاخرة، أسماك الزينة تصطدم بوجوهها المغرورة بجدران اﻷحواض ذات اللون اﻷخضر الفاتح. النادلات كنَّ في غاية السعادة، بدا وكأنهن على وشك الانفجار من فرط السعادة الغامرة، ولكن قوة اﻹرادة حالت دون ذلك وهذا ما بدا لي. لذا اكتفين فقط بالهمهمة. لقد كنَّ محشوات بأغانٍ مكتومة كدجاجة لم تضع بيضتها.

لقد أدركت حالاً أن وجبة اﻹفطار كانت كذلك جزءاً من الامتحان وهذا ما لم يدركه رفقائي اﻵخرين كما يبدو. لذا كنت أمضغ الطعام بوقار بمحيا شخصٍ يعي تماماً أنه يمدُّ جسمه بعناصر ذات قيمة. لقد قمت بأمر لن تستطيع قوة في اﻷرض أن تدفعني على قيام به في المعتاد: شربت عصير البرتقال على معدة خاوية وتركت القهوة والبيض كما هو  وكذلك جزءاً كبيراً من الرغيف المحمص. ونهضت وبدأت أتحرك بداخل الكافتريا جيئة وذهاباً مترعاً بالنشاط. نتيجة ذلك لقد كنت أول من يتم إدخاله إلى قاعة الامتحان، حيث أوراق الامتحان كانت موضوعة على مناضد فاخرة؛ الجدران مطلاة بظلال خضراء حتى أنها تستدعي كلمة "مُبهج" لأفواه المولعين بالتصميم الداخلي. يبدو أن القاعة خالية لكنني كنت متأكداً من إنني مراقب. فتصرفت كما يتصرف الشخص المفعم بالنشاط حينما يدرك أنه غير مراقب؛ حيث سحبت القلم من جيبي بفارغ الصبر، نزعت عنه الغطاء، ومن ثم جلست في أقرب منضدة مني و قمت بسحب أوراق الأسئلة ناحيتي كما يسحب زبون نزق الفاتورة في مطعم ما.

السؤال اﻷولهل تعتبر أنه لمن الصواب أن يكون للإنسان ذراعان وساقان وعينان وأذنان فحسب؟

هنا كان الحصاد اﻷول لثمرة استغراقي في التأمل، وكتبت من غير أي تردد: "حتى أن أربعة أذرع وسيقان وآذانان لن تكون كافية لطاقتي المندفعة: الجسد البشري معدٌّ على نحوٍ بائس.

السؤال الثاني: كم من الهواتف يمكنك أن تديرها في نفس الوقت؟

هنا مجدداً كانت اﻹجابة في غاية السهولة على غرار عملية حسابية في غاية البساطة: "حينما تكون هناك سبع هواتف أحس بنفاد الصبر لذا ينبغي أن تكون هناك تسع هواتف لكي أشعر أنني أعمل بكامل قدرتي”.

السؤال: كيف تقضي أوقات فراغك؟

لم أعد أعرف عبارة  "أوقات فراغ"، لقد أزلتها منذ عيد ميلادي الخامس عشر من قاموسي التداولي. لأن في البدء كان الفعل.

حصلت على الوظيفة على الرغم من التسع هواتف، كنت أحسّ أنني لم أكن أعمل بكامل قدرتي، حيث كنتُ أصرخ في سماعة الهاتف: "هيا، قم بالعمل فوراً، أو افعل شيئاً ما! لابد أن نؤدي عملاً ما! سيُنجز العمل، أَنْجز العمل، ينبغي علينا أن نؤدي عملاً ما." ولكن، كقاعدة، كنت استخدم صيغة اﻷمر  ﻷنني أحسست أن صيغة اﻷمر تعد منسجمةً مع المكان.

لقد كانت استراحات الظهيرة أكثر اﻷوقات المثيرة للإهتمام، حيث كنا نلتهم أطعمةً مغذيةً في أجواءٍ صامتة ومبهجة. كان مصنع فونزيدل يضج بأناسٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍِ مهووسين بإخبارك قصة حياتهم كما يحلو للشخصيات المشهورة القيام بذلك. لقد كانوا يعتبرون أن قصة حياتهم أكثر أهمية بالنسبة لهم من حياتهم. يمكنك فقط أن تضغط على الزر فتنهال عليك المآثر.

لقد كانت اليد اليمنى للفونزيدل رجل يدعى بروشك، لقد صعد اسمه في السلم الوظيفي بإعالة سبعة أطفال وزوجة مشلولة عن طريق العمل في مناوبات ليلية عندما كان طالباً. والعمل بنجاح في أربع وكالات عمل بجانب اجتيازه الامتحانات بدرجة شرف في غضون سنتين. عندما سأله مرة الصحفي قائلاً: متى تخلدون إلى النوم يا سيد بروشك؟ أجابه: النوم جريمة.

أما سكرتيرة فونزيدل كانت تعيل زوجها المشلول و أطفالها اﻷربعة عن طريق العمل في الحياكة و دراستها علم النفس و التاريخ اﻷلماني، علاوة على قيامها بتربية كلاب صيدٍ وقد كانت مشهورة كمغنية في نادٍ ليلي معروفة بلقب مغوية الرجال رقم 7.

فونزيدل نفسه كان من النوع الذي يقرر القيام بنشاطٍ ما، فور استيقاظه من النوم: "لابد أن أقوم بنشاطٍ ما" يفكر بالقيام بنشاط ما حينما يربط رباط رداء الحمام وحينما يحلق لحيته يلقي بنظرة نصر على شعيرات لحيته ورغوة الصابون وهي تُجرف بعيداً: بقايا هذه الشعيرات هي أولى ضحاياه اليومية بسبب طاقته الدافقة. هنالك الكثير من اﻷعمال الحميمة التي تبعث في أمثاله احساساَ بالرضى: صوت حفيف الماء، استعمال الورق؛ نشاط ما يُؤدَّى، خبزٌ يُلتهم، بيضٌ يُطرقع. أكثر الأمور تفاهةً تعتبر نشاطاً بالنسبة للسيد فونزيدل: الطريقة التي يعتمر بها قبعته ـ وهو يرتعش من الطاقة ـ يزرر معطفه، الطريقة التي يقبّل بها زوجته، كل شيء كان نشاطاً.

عندما وصل إلى مكتبه حياً سكرتيرته صارخاً: "هيا ننجز عملاً ما!" أجابت السكرتيرة بصوت رنان: العمل سيُنجز. بعدها يعرج من قسم إلى آخر، ناشراً مرحه في اﻷرجاء: هيا ننجز عملاً ما! و الكل يقول: سيُنجز العمل. سأجيبه أنا كذلك بإبتسامة متألقة حينما يلقي بناظريه بإتجاه مكتبي قائلاً: العمل سيُنجز!. في غضون أسبوع عملت على زيادة عدد الهواتف في مكتبي إلى إثني عشرة هاتفاً وإلى ثلاثة  عشرة هاتفاً في اﻹسبوع الذي يليه، وفي كل صباح عندما أكون في سيارة اﻷجرة إستمتع بصياغة جمل إصدار اﻷوامر و أطارد كلمات "قم بعمل ما" بالعديد من الصيغ و التراكيبليومين كاملين كنت أردد الجملة ذاتها مراراً ﻷنني أعتقد إنها رائعة: عمل ما لابدأن يكون منجزاً. في اليومين اﻵخرين: عمل كهذا ينبغي أن يكون منجزاً. و بذلك بدأ ينتابني إحساس أنني أعمل بطاقتي القصوى عندما يكون هناك عمل ما.

في صباح ثلاثاء لم أكن بالكاد استقرَّ في مكتبي دخل علي السيد فونديزل مندفعاً إلى مكتبي صارخاً: "هيا نقوم بعمل ما" لكنني لاحظت شيئاً عصياً على التفسير في وجهه، اﻷمر الذي جعلني أتردد من الرد عليه بصوت مبتهج كما تمليه عليَّ القوانين: "سيُنجز العمل"، لابد أنني كنت صامتاً لوقت طويل، لذا رَفَع السيد فونزيدل نبرة صوته ـ و نادراً ما يفعل ذلك ـ "رُدّ، رُد، أنت تعرف القوانين!!!" فأجبته بدون حماس، كطفل أُكرِه على أن يقول: "أنا طفل نزق". لكن بمزيد من بذل الجهد تمكنت من نطق الجملة: "سيُنجز العمل". لقد كان عصياً عليَّ أن أتفوه بالجملة عندما يكون هناك عملاً حقيقياً. لقد هوى السيد أرضاً. حال سقوطه تدحرج بجانبه اﻷيمن، ملقياً بنفسه في منتصف المدخل. لقد علمتُ في حال أن السيد فونزيدل قد لقي حتفه، وأكدت ذلك عندما تحركت ببطء باتجاه المكتب  مقترباً من جسده الملقى على اﻷرض. تخطيت جسده هازاً رأسي. وخطوت ببطء على طول الرواق صوب مكتب بروشك ودخلت مكتبه دون أن أطرق الباب. كان السيد بروشك يجلس في مكتبه وكانت هناك سماعتي هاتف في كلتا يديه، وكان هناك قلماً بين أسنانه يدون به الملاحظات في مفكرته بينما كان يشغّل ماكينة خياطة تحت المنضدة. على هذا النحو كان بروشك يخيط ملابساً لأسرته.

"لقدحدث أمرٌ ما"! قلت بصوت منخفض.

بصق السيد بوشك القلم من بين أسنانه، ووضع سماعتي الهاتف لأسفل، من ثم سحب أصابع أقدامه من ماكينة الخياط على نحوٍ فاتر.

"أي أمر؟؟" قال متسائلاً...

لقد توفي السيد فونزيدل.

كلا... قال السيد بوشك.

أجل... تعال و الق نظرة!! قلت.

"كلا هذا مستحيل!!" قال بروشك وارتدى حذاءه و تبعني على طوال الرواق.

قال: "لا...” عندما كنا نقف بجانب جثمان فونزيدل. لم أناقضه في ذلك. و بعناية فائقة عدلت وضعية جسد فونزيدل وجعلته مضطجعاً على ظهره ومن ثم أغمضت عينيه وأخذت أحدق فيه مستغرقاً في التفكير.

فشعرت بشيء من الشفقة حياله، وأدركت أنني لم أمقته أبداً. لقد كان على وجهه كما لو كان طفلاً يرفض بعناد التنازل عن إيمانه ببابا نويل على الرغم من معقولية حجج أقرانه.

_"كلا... كلا!!"  ردد السيد بروشك.

"يجب أن نقوم بعمل ما"قلت ذلك بصوت خافض.

"أجل، لابد من القيام بعمل ما" قال بروشك مجيباً.

انجُز العمل: دُفن جسد السيد فونزيدل وتم تفويضي بحمل إكليلٍ من الورد الاصطناعي بجانب نعشه، ﻷنني لا أميل للاستغراق في التفكير والخمول فحسب، بل أن لي وجهاً وبنيةً يتناسبان على نحو مفرط مع البدلات السوداء. على ما يبدو أنني كنت رائعاً. حيث حصلت على عرض من شركة متخصصة في تجهيز الجنائز للالتحاق بطاقمهم كجنائزي محترف. "أنت وُلدت لتكون جنائزياً" قال مدير الشركة: ستتكفل بمنحك الزي لذلك.. وجهك رائع بكل بساطة".

وضعت مذكرة استقالتي للسيد بروشك، شارحاً: أنني لم أحس أبداً أنني كنت أعمل بكامل مقدراتي هنا. على الرغم من الثلاثة عشر هاتفاً، بعض من مواهبي كانت تضيع هدراً. حالما ما فرغت من أول ظهور لي كجنائزي محترف أدركت أنني أنتمي لهذا المكان، لقد خُلقت من أجل هذا: الوقوف مستغرقاً في التفكير بجانب النعش في مصلى الجنازة حاملاً باقة ورد متواضعة بينما تُعزف مقطوعة هاندل لارقو. المقطوعة التي لا تجد تقريباً حقها من الاحترام الذي تستحق. لقد كنت أتردد على مقهى المقابر بانتظام حيث كنت أقضي معظم اﻷوقات مع زملائي المحترفين اﻵخرين، وفي بعض اﻷحايين كنت أمشي خلف نعوش لم أكن ملزماً بالمشي خلفها، أدفع ثمن الورد من جيبي، و أمشي مع موظفي الرعاية الاجتماعية خلف نعش أحد المشردين. من وقت لآخر كنت أزور قبر السيد فونزيدل ﻷنني أدين له بكل هذا قبل كل شيء. بسببه اكتشفت مهنتي، إذ أن الاستغراق في التفكير ضروري و الخمول صار واجبي. لم يأخذ مني الكثير حتى أدركت أنني لم أزعج نفسي أبداً ﻷعرف ما الذي كان ينتجه مصنع السيد فونزيدل. أظن أنهم كانوا يصنعون الصابون.