الجمعة، 16 سبتمبر، 2016

أنهض، هلا نهضت؛ هاينريش بول

ترجمة: تاج الدين محمد














لم يعد بالإمكان قراءة إسمها المنقوش على الصَّليب المهشم، لقد حُطم غطاء التابوت، كما أن التلة التي كانت هنا قبل أسابيع قليلة إستحالت الآن إلى حفرةٍ تجمعت فيها الورود الذابلة القذرة و أنشوطاتها المتسخة و أشواك الصنوبر وأغصانٌ بلا أوراق مكوِّنة كتلة بشعة. أما أعقاب الشموع لابد إنها قد سُطي عليها حتماً.
ــ"أنهضي، هلا نهضتي!!" قلت بصوت خافت. فأختلطت دموعي بالمطر، المطر الرتيب الباعث على التذمر، الذي ظل ينهمر منذ أسابيع. ثم أغمضت عيوني: لقد خفت أن تتحقق أمنيتي. خلف أجفاني المغمضة كنت أرى بوضوح غطاء التابوت المائل الذي كان موضوعاً على صدرها الآن، مضغوطاً بكومةٍ من التراب الرطب المندفع على التابوت ببرودٍ وجشعٍ بجوانب صدرها.

إنحنيتُ إلى أسفل لأرفع زينة القبر المتسخة من الأرض اللزجة، فأحسست فجأة كأن هناك شبح خلفي، خرج من الأرض بسرعة وعنف، كأنه خارجٌ من نار مغطاة ترفع اللهب من حينٍ لآخر. فوضعت علامة الصَّليب على نفسي بسرعة و رميت باقة الورد من يدي و هممت بالمغادرة. إنبثق الغسق الكثيف من الممرات الضيقة المحاطة بالعشب الكثيف. ولما بلغت الطريق الرئيسي، سمعتُ صوت ذلك الجرس الذي قرعه أحد زوار المقبرة، ولكنني سمعت وقع خطوات قادمة من العدم، و رأيت أيضاً شخصاً في مكانٍ ما، كنت أحس فقط بتلك المسوخ خلفي، كانت بالطبع أشباح حقيقية تلك التي تتعقبني...

أسرعت في الخطو، صفقت البوابة الصدئة ذات الخشخشة، عبرت ممر الزهور الدائري الذي سقطت عليه عربة القطار المقلوبة التي تحجز ماء المطر ببطنها  لترتطم وداعة المطر اللعينة بصندوق الصفيح. تغلغل المطر بأحذيتي لوقت طويل لكنني لم أكن أشعر لا ببردٍ أو رطوبة. حمى موحشة تتعقب دمي حتى  الرؤوس الخارجية لأطرافي، بجانب الخوف الذي يَهب علي من الخلف، شعرت برغبة غريبة في المرض و الأسى.

في وسط الأكواخ البائسة التي تنفثُ مداخنها الدخان الردئ، السياجات الموحشة المكدسة التي تحيط بالحقول الداكنة، بدت أعمدة التلغراف البالية كأنها تتأرجح مع الغسق، كنت أشق طريقي من خلال أماكن اليأس اللانهائي لضاحية المدينة، لامبالٍ بالخوض في الوحل، ما زلت أخطو بسرعة نحو الصورة الخيالية الممزقة للمدينة، التي كانت تستلقي ممدة في سحب الغسق القذرة كمتاهة للحزن.

 أنقاضٌ داكنة و ضخمة تطل من اليمين  واليسار، تغلغل بداخلي ضجيج خانق صادر من النوافذ ذات الإضاءة الخافتة؛ مرة أخرى حقول من الأرض الداكنة، منازل وفلل متداعية. مازال الرعب بالإضافة الحمى يلتهماني بقسوة، لأنني كنت أشعر بأمر فظيع: خلفي كان الظلام يلف المكان، بينما يتكثف الغسق أمامي على نحو عادي، خلفي كان الليل قد حل. كنت أربط الليل خلفي، أجره إلى حدود الأفق،أي مكان تطأه قدماي يصير مظلماً. لم أر شيئاً من كل هذا، لكنني كنت أعرف ذلك: من مكان قبر حبيبتي وإلى، حيث كنت أشكو من الأشباح، كنت أجر خلفي حشد أشرعة الليل القاسية.

 بدا العالم خالٍ من البشر: ضاحية المدينة الفظيعة مليئة بالقذارة في كل الجوانب، تلال صغيرة من الأنقاض. المدينة التي بدت بعيدة، أصبحت الآن قريبة بصورة مرعبة. كنت أتوقف عن الحركة لبعض الوقت، وكنت أشعر كيف يتصرف الظلام خلفي، لقد كان يحتشد ويتردد بإزدراء، وبعدها يدفعني إلى الأمام على نحو لطيف و إجباري.

الآن أشعر أيضًا بتدفق تيارات العرق من كل أنحاء جسدي، أصبح مسيري مرهقًا، غدا الحمل ثقيلًا، الحمل الذي كنت أجره، حمل العالم المربوط خلفي بحبالٍ خفية، ربطته خلفي، أسحبه و يسحبني إليه، كأنه حملٌ منزلقٌ يَدفعُ بغلًا هزيلاً إلى الهاوية حتماً. دفعتُ بكل ما أوتيت من قوة عكس إتجاه تلك الحبال الخفية، صارت خطواتي قصيرة وغير ثابتة، رميتُ بنفسي في الحبال الخانقة كحيوانٍ يائس: يبدو إن قدماي غاصتا في الأرض، بينما كانت هناك بعض من القوى لأحافظ به على وضعية جسدي العليا كما ينبغي. حتى شعرت فجأة أنه ليس بإمكاني تحمل ذلك. وجدت نفسي في موضع كنت مضطرًا على التصرف، العبئ كان فعالاً جداً، لدرجة إنه كان يقيدني في المكان، فحسبت أنني فقدت السيطرة، قمت بالصراخ و أرتميت في ذلك اللجام المُتخيل، فسقطت على وجهي، أنقطع الرباط، فكانت هناك حرية لذيذة  خلفي و كان أمامي براحٌ مشرق تقف فيه الآن زوجتي الحبيبة، هي التي كانت ممدة خلفي في قبر فظيع تحت الورود القذرة، كانت هنا، وقالت لي بوجه مبتسم: أنهض، هلا نهضت... لكنني نهضت الآن و إني ذاهبٌ لرؤيتها...


الأحد، 11 سبتمبر، 2016

حذائي؛ شارلس سيميك


ترجمة: تاج الدين محمد
















حذائي، الوجه السري لحياتي الداخلية:
فاهان فاغران بلا أسنان،
جلدا حيوانٍ متحللان جزئياً
تفوح منهما رائحة  جحر جرذان.

أخي وأختي اللذان لقيا حتفهما عند الولادة
لا يزالان يعيشان بداخلكما،
يقودان حياتي
نحو براءتهما المبهمة.

بما تفيدني الكتب
طالما بالإمكان أن أقرأ فيكما
أنجيل حياتي على الأرض
بل ما وراء ذلك، الأمور القادمة؟

أرغب في الأعلان عن الدين
الذي أبدعته لتواضعكما الكامل
وفي الكنيسة الغريبة التي سأبنيها،
ستكونان أنتما المذبح.

زاهدان وأموميان، أنتما تطيقان:
قرابتكما لثيران، لقديسين، لرجالٍ مدانين
بصبركما الصامت، ترسمان
الصورة الوحيدة الصادقة لنفسي.

الجمعة، 9 سبتمبر، 2016

آنا وولدمان؛ قصائد


ترجمة عن الإنجليزية: تاج الدين محمد















أبياتٌ للنِّعمةِ الجَّديدةِ المُدهشةِ

أَطربُ لنعمة كل الشعراء الذين يكتبون
كلماتهم 
حروف حلوة ساكنة ومتحركة تعزز
إرث القصيدة
تتدحرج دُرر القلب من ألسنة الشعراء
الذين يغنون إحتفاءً بالحب
يُبارك الشعراء المتجولون برئات ملتهبة
والصفوة تُصعق من أعلى.

قضمة سابفو و فطنة شكسبير
والصعود الصوفي لدانتي
قافية ديكنسون، التنفس الملتحي لويتمان
محفورة في العمود الفقري الجيني.

وإذا ما توقف الكوكب عن الدوران
وسادت الظلمة  الكون الحزين
ستثير أصداء الشعر القديم الضجة
وستشعل الشرارة البدائية من جديد.

أوه، أنا أجثولأكليل المسيح الشوكي
كل الطقوس القصد منها الشفاء
إبتسامة بوذا، تجهم يهوه القديم
حماسة الله البارعة.

ولكن ربة الشعر أُرسلت

 لتنقذ حقيرة مثلي
وهي تداعب أوتار حافة الحياة اليائسة
بلحنها المسكون بالأشباح.

                              إلى المتطرفين في النقد

                           (جيسي هيلمس و آخرون)

هذه الإنشودة كانت مصحوبة بجوقة نساء يثنين عضلاتهن، قدمت لأول مرة في معهد ناروبا.
                أنا قادمة من القبر، يا رجال الحرب
       حالما إعتقدتم أنكم أخضعتموني في مكان مخفي
                             أنا قادمة الآن
       ألم تحسوا بدوي الأرض تحت أقدامكم؟
       إنها تنقلب رأساً على عقب، إنها ترتفع
       إنها تقتحم وجهات نظركم، ممتلكاتكم الخاصة،
             أوه يا رجال الحرب، إيها العيابون!
             إستعدوا إيها الفتيان الكبار إستعدوا!
                           أنا قادمة الآن
              أنا قادمة بكل الأشياء تم إخفاءها
            إستعدوا، أيها الفتيان الكبار إستعدوا!
             أنا قادمة بكل الذي تريدونه مخفياً،
كل النصوص الهرمسية التي تحوي قصص نساء مثيراتٍ وخطيرات
            نساء بألسنة داعرة، عيون حادة و مخالب.
                لقد كنت أتمرن فعضلاتي قوية
             كل المروق و التبجح الذي تحتقرون
            بكل التهكم ضد شعاراتكم، وتحياتكم.
      أنا قادمة من الجحيم بكل ما قمعتموه ذات مرة.
      بكل الخيالات المكفهرة، كل الحثالة سيعودون.
              أنا الذي سأقودهم الآن ليعودوا.
   ولسوف ينبحون ويسخرون ويستشيطون غضباً ويعضون
                         أنا افتح العلبة الآن
                                بووو!


                                          حلم جاك كيرواك


إنه يتحدث بسرعة عن الشر الأنثوي لكنه يحبه. يا للنبرات المريرة للشياطين الأنثوية. إنه محشور في غرفة شتوية في نيوإنقلاند المكبوتة، ولكن من الغرابة إنها تبدو كأنها ماخور قديم في إلدورا بخفافيش داخل الجدران. هناك أطار مقشر بزخارف الزنبق  الذهبية بالداخل.  بجانبه سترة ذات أكمام أو بالأحرى " سترة أمه ذات الأكمام. يبدو كرسيه كرأس غزال متقلص، هناك بالأسفل خربشة فجة بحروف فرنسية على لوحة خشبية بحجم قدم أرنب،"est peur"  ترجمتها: هاهو الخوف، بيد إنه يشير إلى أو يبدو "كالأمل". إنه يرتجف في سترته المصنوعة من صوف الإبل، يدخن (Chesterfield) و (Old gold) أمام نار ملتهبة. يقول إنه يفضل الصيد و جمع الثمار لكن البرد قارس جداً. أين يمكننا التنقيب الآن "كل السماوات تداعت" أنني أفكر: لو كان بالإمكان أن أُولد في وقت سابق، كان بإمكاني أن أحبه، أعتني به، قريباً من وجهه، يمكنني أن أرى كرياته اللاهبة في ضوء النار المتراقص، تصميمات أصيلة معقدة موضوعة كوشم على وجه إستثنائي بدائي. يغمغم: إنه إنحراف، لحم و عظم، كبح للشهوات، جامد الوجه، "الحياة حقل مكنوس." أنا جانب من مؤامرة بوذية لأعادته إلى الحياة من جديد ليحرر كل الكائنات الحية، سأقدم له دعوة قراءة في أكاديمية المستقبل المهووس، ولكن ما الذي سأقدمه، حاولت أن أتصل بك لكن هاتفك كان مغلقاً لذا أتيت. لقد ذهب إلى مكان ما، لقد كانت عيناه مبللة وزجاجية. 


                                   الكذبة

يبدأ الفن بكذبة
أنظر إلى البصيلة الكهربائية، أغمز عينيك، الشمس في عينيك
    الإنفصال هو: إنت وأنا بالإضافة إلى ما نفعله

أريد سماءً نادرة
  نقطة إمتياز منعتقة من سوء الفهم
      يبدأ الفن بكذبة

ليس هناك ما تفقده، صعود عفوي
 للتفكير، أرسم لوحة البصيلة الكهربائية، أو حدّق إلى الشمس

كيف لك أن تزود العالم بالوقود، وتموت بعدها
 إنأ بنفسك من الدهاء
  كيف ذلك؟ يبدأ الفن بكذبة

يريد المتلقي أن يبكي،
 عندما يكون الممثلين حقيقيين و شغوفين
  أنظر إلى أضواء المسرح، ثم عقّب على العين

أنت تتأرجح في جسدٍ مصطنع
 تحاول أن تحاكي مجد العالم
  تلك هي الحكاية، بقعة حادة في العين.