الأربعاء، 2 مارس، 2016


فِيْ الضَّبابِ
هيرمان هيسه
ترجمة عن اﻷلمانية: تاج الدين محمد 


 
 ِ
















إنه ﻷمرٌ غريبٌ أنْ تَتجولَ فيْ الضَّبابِ!
حَيثْ كُلَّ شُجيرةٌ و صَخرةٌ مُنزويةٌ لوحدها؛
 لا شجرةٌ تنظرُ لأخرىْ.
الكلُّ وَحيدٌ.

كان العالمُ يَضجُ باﻷصدقاءِ،
عندما كانتَ حياتِي لا تزالُ ضُوءاً.
اﻵنَ يَسودُ الضَّبابُ،
لم يعدْ هناك أحدٌ يُرَّى.

ليس من الحكمة ـــ حقاً،
أنْ لا تُدرك الظلمةَ التي سَتبعدُ
حتماً اﻵخرينَ عنكَ بصمتٍ.

إنه ﻷمرٌ غريبٌ أنَّ تَتجولَ في الضَّباب!ِ
فالحياةُ: هَي أنَّ تكون وحيداً.
لا أحدٌ يَعرفُ الآخرَ.
كلَّ إنسانٍ وَحيد.

التجربة؛ غونتر سيورين

التجربة
غونتر سيورين
ترجمة عن اﻷلمانية: تاج الدين محمد





"اﻵن أمشي القهقرى ﻷنني لم أعد راغباً في المشي إلى اﻷمام". قال الرجل. لقد كان متوسط الطول وقد بدا ِوجهه شاحباً و منهكاً من فرط المشي القهقرى. أنفه مُحمرَّة من شدة الرياح. الرياح الغربية العنيفة التى بدت كأنها نسمة على ظهور الجموع الذاهبة معه في ذات اﻹتجاه، كانت تصفعه بعنفٍ على وجه. لقد كان يتحرك بصورة أكثر بطءاً من اﻵخرين، ولكن بجلد وعزيمة كأنه سرطانٌ يمشي القهقرى.
قال الرجل: "في يوم من اﻷيام كنت وحيداً في حديقة هادئة، كنت أسمع نقرات العصافير وأصوات الحمائم في الدغل و هي تبحث عن طعامها. لقد كنت مغموراً بالهدوء. عندما خطوتُ بضع خطواتٍ إلى الوراء، أدركت أن الطريق يتقلص عندما يمشي المرء القهقرى. عندما بدأت أمشي القهقرى ،رأيت اﻷشياء المُهملة التي تم التغاضي عن رؤيتها، حتى إنه كان بإمكاني إستراق السمع إلي الأصوات الغير مسموعة: "سيلتمسون لي العذر عندما لن أتمكن من إقناعهم بما أقول. لا تطالبوني  بأن أكون منطقياً. فاﻹكتشاف الذي قمت به لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. أتحسبون أنني مجرد رجلٌ يرجع إلى الخلف؟؟ كلا... أنا لا أرجع إلى الخلف، أنا..."
صمت الرجل لبضع ثوانٍ وألقى بنظرةٍ واثقة على الطريق وقال: "ربما تتعجبون مما أفعله لكنني لست حالماً!"
ــ "من أنت إذاً ؟ قال الرجل المرافق الذي كان يسير إلى اﻹمام كأي شخص: "لن يفلح اﻷمر هكذا. يوم ما توقفت في مكان ما و تمكنت من سماع صوت العشب وهو ينمو هذا ما قلته أليس كذلك؟؟"
حدق الرجل المتقهقر في وجه الرجل المتقدم بوداعة وقال: "لم أفرغ من تجربتي بعد."  "هل تعتقد أنك ستفلح في تجربتك هذه؟؟" سأل الرجل المرافق.
"سؤالٌ عصيٌ على اﻹجابة." قال الرجل المتقهقر وأخذ ينظر في مكانٍ لم يدركه الرجل المرافق: " بالمناسبة فكرتي هذه ليست بجديدة كما أدركت ذلك في وقت لاحق:
"في قديم الزمان واجهت بعض الشعوب المندثرة نفس المشكلة التي تواجهنا الآن، لقد كانوا في موقفٍ كان فيه حياتهم على المحك، لكن يبدو أن هذه فكرة ساعدتهم في حل المشكلة. يمكنك أن تطلق عليها خدعة أن شئت: منذ تلك اللحظة كان النزال بين القبائل: هو أن يدير المتنازلان ظهريهما لبعضهما البعض عند النزال ويقومان بتوجيه ضربات سيوفهما في الهواء الطلق، يستمران في فعل ذلك حتى يهوي أحدهما أرضاً من شدة الإنهاك و التعب. لقد كان جيش باكمله يسقط ارضاً وهو يتنفس بصعوبة، بعدها كان الخلود لنوم عميق أمرٌ مستحق. هكذا كانت المعارك تستمر لعدة أيام ولكن دون ان تُسفك دماء. ما رأيك في ذلك؟؟"
ـــ أجل يجب أن أعترف: لقد كان اﻷمر بمثابة مُتنفس للغرائز بالنسبة للشعوب البدائية ولكن اﻷمر مختلف بالنسبة لمجتمع اليوم. رد الرجل المرافق: ما العائد الذي ستجنيه أنت من المشي القهقرى؟؟
ـــ "أود أن أعير إنتباه الناس لي." قال الرجل المتقهقر.
ـــ هذا ما سيحدث على أي حال، ولكن عازف البيانو الماهر و الذي يمشي على قدميه لمسافة خمسين ميلاً يمكنهما أيضاً إعارة إنتباه الناس.
لم يكن الرجل المتقهقر قلقاً إزاء هذه التلميحات: "لا أدري إلى ماذا تلمح ولكن أتمنى من الناس أن يفهموا ما أرمي إليه ولكن لقد كان اﻷمر مبهجاً عندما بدأت المشي القهقرى."
ــ "حسناً" قال الرجل المرافق نعم أعلم جيداً أنك ليس الشخص الوحيد الذي يؤمن بمثل هكذا افكار قبل كل شيء أنت أقترحت شيئاً عملياً لكنني أشك في إنك قد تنجح في مسعاك هذا.
بغض النظر عن النجاح أو غيره ينبغي علينا أن نحاول جميعنا ينبغي أن نحاول... قال الرجل المتقهقر.
ـــ أستميحك عذراً: هل لديك خطة جاهزة لهذه التفاهة.
حدق الرجل المتقهقر في وجه الرجل المرافق مباشرة وكانت تلك هي المرة اﻷولى التي يفعل فيها ذلك وقال مبتسماً: لقد خططتُ للأمر للحظة واحدة فقط وقد كانت لحظة شروعي في المشي القهقرى ﻷنني لم أكن متيقناً بعد من نجاح اﻷمر.
ــ لكنك اليوم لا تصطدم بأي شيء أمامك عندما تمشي القهقرى؟؟
ـــ إطلاقا!! قالها الرجل المتقهقر ولم تفارق اﻹبتسامة وجهه.

عم الصمت المكان وثم خطا الرجل المتقهقر بضع خطوات رشيقة إلى الخلف. حاول الرجل المرافق إن يقوم باﻷمر كذلك لكن اﻷمر كان متعباً للحاق بالرجل المتقهقر لأنه أصبح يمشي على نحو أسرع.

ــ "أستميحك عذراً ينبغي علي أن أسرع فأنا في عجلة من أمري لدي أمر مهم لابد من إنجازه. وداعاً!": هذا ما قاله الرجل المتقهقر و أختفي بين الجموع. أما مرافقه قد إستعصى عليه اﻷمر عندما حاول اللحاق به. فأخذ يبطء في تقهقره ويتوقف ليلتقط إنفاسه.
صعدت إلى المسامع صرخة عالية كأنها صدرت من صدعٍ ما في الطريق المسفلت. توقفت الجموع و ألقت بنظرها في إتجاه واحد. في بداية اﻷمر كانت أعداد ضئيلة من الناس تحلقت فوق الرجل الملقى على اﻷرض و أخذت الحلقة تكبر رويداً رويداً, إخترق الرجل المرافق الجموع حتى تمكن من الوصول إلى الحلقة فوجد الرجل المتقهقر مُلقى على اﻷرض كدمية سقطت من أعلى. صرخ رجلٌ ما من الجموع: "لا يمكننا إلقاء اللوم على السائق يمكنني أن أشهد بذلك، ربما كان سكراناً لقد كان يمشي القهقرى." تسلل الرجل المرافق حتى وصل إلى منتصف الدائرة و إنحني فوق رأس الرجل: هل بإمكانك رؤيتي؟؟
ــ أجل قالها الرجل دون أن يحرك ساكناً وقد وضع خده اﻹيسر على اﻷسلفت وراح يحدث السطح الرمادي: "حاول مرة أخري، عندما تكون وحيداً، في مكان ما في حديقةٍ ما أو ليلاً في مكان غير مزدحم ربما تنجح في هذا المسعى أفعلها بصورة افضل مني." عندها وصلت الشرطة إلى الدائرة: هل يمكنكم إن تصفوا لنا ما حدث. قال الشرطي مخاطباً الرجل المرافق.
ـــ لقد كان يود أن يمشي القهقرى.
قال الشرطي: "هذه هي المرة الرابعة التي تحدث فيها نفس الحادثة في هذا اليوم . ما الذي جري للبشر؟!"